المعرفة
فرعٌ أم شركةٌ محلية؟ أول قرار لشركة أجنبية تدخل العراق
قبل العقد الأول، وقبل المكتب والفريق والحساب المصرفي، يطرح دخول العراق سؤالًا يسبق كل ما عداه: بأيّ صفةٍ ستحضر شركتكم هنا؟ هل تأتي بنفسها، عبر فرعٍ يحمل اسمها ويعمل بذمّتها، أم تُنشئ كيانًا عراقيًا جديدًا تشاركون في ملكيته؟
هذا السؤال لا يُحسم في مكتب التسجيل. فالشكل الذي تختارونه اليوم يحدّد من يُسأل عن الديون إن تعثّر مشروع، ومن يقف أمام المحكمة إن نشأ نزاع، ومع من تتقاسمون الملكية والقرار، وأيّ العقود تستطيعون المنافسة عليها، وكيف تغادرون السوق إن قررتم المغادرة. ولذلك يستحق أن يُتّخذ بتأنٍّ.
الفرع: شركتكم نفسها، في العراق
الفرع ليس شركة جديدة، بل امتدادٌ لشركتكم الأم يعمل باسمها وتحت شخصيتها القانونية. وقد أحال قانون الشركات العراقي تنظيم فروع الشركات الأجنبية ومكاتبها إلى أحكام خاصة بها، وأخضعها في الوقت نفسه لعقوباته المتعلقة بمسك السجلات وتقديم البيانات وتمكين الجهات المختصة من الاطلاع.
ولهذه الطبيعة أثرٌ مباشر في المسؤولية. فالفرع، إذ لا شخصية معنوية مستقلة له، لا يملك أهلية التقاضي بذاته؛ والخصومة لا تُوجَّه إليه، بل إلى الشركة الأم التي يمثّلها. ومعنى ذلك عمليًا أن من يقف أمام المحاكم والدائنين في العراق هو شركتكم الأم، وأن ما يلتزم به الفرع تُسأل عنه بذمّتها كلها، لا بقدر ما خصّصته للعراق.
وثمة أمر قلّما يُلتفت إليه: القانون المدني العراقي يُخضع الشركة الأجنبية لقانون الدولة التي فيها مركز إدارتها الفعلي، لكنه يجعل القانون العراقي هو الساري إذا صار نشاطها الرئيسي في العراق. فالفرع الذي يكبر حتى يصبح قلب أعمالكم يغيّر، بحكم القانون، الإطار الذي يحكم شركتكم نفسها.
أما الأنشطة التي يجوز للفرع ممارستها فتحدّدها الأحكام الخاصة بالفروع وشهادة تسجيله. ويقرّ قانون الاستثمار للمستثمر الأجنبي صراحةً حقّ فتح فرع لشركته في العراق وفقًا للقانون.
متى يكون الفرع الخيار الأنسب؟ حين يرتبط حضوركم بمهمة محددة، وتريدون أن تبقى الملكية والقرار كاملين في يد الشركة الأم، وتقبلون أن تحمل ذمّتها مخاطر العمل هنا. مثال ذلك شركة هندسية تدخل لتنفيذ عقدٍ واحد مع متعاقدٍ رئيسي، ولا تنوي البقاء بعده: الفرع يمنحها الصفة القانونية للعمل دون شريك محلي، ودون كيانٍ مستقل تحتاج لاحقًا إلى تصفيته بإجراءات شركة كاملة.
الشركة المحلية: كيانٌ عراقي تشاركون فيه
الشركة المؤسَّسة في العراق وفق قانون الشركات شركةٌ عراقية بنص القانون. تكتسب شخصيتها المعنوية من تاريخ صدور شهادة تأسيسها، ويكون مقرّها الرئيسي داخل العراق. هي إذن شخصٌ قانوني مستقل عنكم، له ذمّته وعقوده ودعاواه.
الأشكال المتاحة. بعد تعديل قانون الشركات سنة 2019، صار للشخص الأجنبي، طبيعيًا كان أم معنويًا، أن يكون مؤسِّسًا أو مساهمًا في الشركات المساهمة والمحدودة. وفي الشكلين كليهما لا يُسأل الشريك عن ديون الشركة إلا بمقدار القيمة الاسمية لأسهمه. والمحدودة أقرب الشكلين إلى حاجة معظم الشركات الداخلة: لا يزيد أعضاؤها على خمسة وعشرين، ولا تحتاج إلى اكتتاب عام، فالاكتتاب العام مقصور على المساهمة.
الملكية الأجنبية. هنا يكمن الشرط الذي يغيّر الحساب كله: يشترط النص المعدَّل ألّا تقلّ مساهمة العراقي عن واحد وخمسين في المئة من رأس مال الشركة. فالشركة المحلية، بحسب هذا النص، شراكةٌ بالضرورة، وحصتكم فيها حصةُ أقلية. وهذا يجعل اختيار الشريك العراقي، وصياغة عقد الشركة في الإدارة والتفويض وتوزيع الأرباح وانتقال الحصص، جزءًا من قرار الدخول نفسه لا تفصيلًا يُترك لما بعده.
ما تكسبونه في المقابل. مسؤوليتكم محصورة فيما ساهمتم به، فلا تمتد مخاطر السوق العراقية إلى ذمّة شركتكم الأم. وتقف الشركة العراقية بعد ذلك في موضعٍ لا يبلغه الفرع: فقانون الشركات يعطي الأولوية في التعاقدات الحكومية بأنواعها للشركات العراقية، بما فيها المتشاركة مع شركات أجنبية. وتسجيل الحقوق العقارية باسمها يجري وفق عقد تأسيسها بمصادقة المسجل، في حين يمرّ تسجيلها باسم شركة أجنبية بموافقات إضافية.
وبعض الأنشطة تفرض الشكل بنفسها: فالتأمين وإعادة التأمين والاستثمار المالي لا تُمارَس إلا عبر شركة مساهمة.
متى تكون الخيار الأنسب؟ حين تخططون لحضور دائم، أو لبيعٍ وتوزيعٍ مستمرين، أو للمنافسة على العقود الحكومية. مثال ذلك شركة تصنيع تريد بناء شبكة توزيع والتقدّم لمناقصات جهات حكومية: الشركة المحلية، مع شريكٍ عراقي تختارونه بعناية، تفتح لها هذا الباب وتحصر مخاطرها في رأس مالٍ معلوم.
المقارنة
| المعيار | الفرع | الشركة المحلية (محدودة أو مساهمة) |
|---|---|---|
| الشخصية القانونية | لا شخصية مستقلة؛ الخصومة تُوجَّه إلى الشركة الأم | شخصية معنوية عراقية من تاريخ شهادة التأسيس |
| المسؤولية | تتحملها الشركة الأم بذمّتها كلها | بمقدار القيمة الاسمية للأسهم |
| الملكية | كاملة للشركة الأم | لا تقل حصة العراقي عن 51% |
| الأنشطة المسموحة | وفق الأحكام الخاصة بالفروع وشهادة التسجيل | وفق غرض الشركة في عقدها؛ والتأمين والاستثمار المالي للمساهمة حصرًا |
| العقود الحكومية | دون أولوية | أولوية للشركات العراقية، بما فيها المتشاركة مع أجنبية |
| المتطلبات الأساسية للتسجيل | شهادة تسجيل وفق الأحكام الخاصة بالفروع | عقد الشركة، وشهادة مصرفية بإيداع رأس المال (حدّه الأدنى للمحدودة مليون دينار) |
| الخروج من السوق | وفق الأحكام الخاصة بالفروع | تصفية بإشراف المسجل تنتهي بقرار الشطب، وللدائن المتأخر الرجوع على الأعضاء بما آل إليهم خلال ثلاث سنوات |
أخطاء شائعة عند الاختيار
البدء قبل الشهادة. يعاقب قانون الشركات من يمارس نشاطًا باسم فرعٍ أو مكتبٍ لشركة أجنبية دون شهادة التسجيل بغرامة تصل إلى ثلاثة ملايين دينار، وكذلك من يعمل باسم شركة محلية قبل شهادة تأسيسها. وتوقيع العقد الأول قبل اكتمال التسجيل يضعكم في موضع المخالفة منذ اليوم الأول.
معاملة الفرع كأنه درع. الفرع لا يفصل بين مخاطر العراق وذمّة الشركة الأم، فالخصومة تتجه إليها مباشرة. ومن أراد حصر المخاطر فطريقه الشركة المحلية لا الفرع.
افتراض الملكية الكاملة في الشركة المحلية. النص المعدَّل يشترط أغلبية عراقية في رأس المال، وكثير من الأدلة المتداولة كُتب قبل هذا التعديل. واكتشاف ذلك بعد التفاوض مع العميل الأول يعني إعادة بناء الخطة كلها.
الظن أن الشكل يحسم مسألة العاملين الأجانب. يحظر قانون العمل تشغيل أي عامل أجنبي، بأيّ صفة، دون إجازة عمل تصدرها وزارة العمل، أيًّا كان الشكل الذي اخترتموه. فخطة الكوادر تحتاج إلى مسارها الخاص بالتوازي مع التسجيل.
قبل أن تختاروا
ثلاثة أسئلة تختصر كثيرًا من التحليل:
- هل حضوركم في العراق مشروعٌ له نهاية، أم سوقٌ تنوون البقاء فيها؟
- هل تقع العقود الحكومية في قلب خطتكم، حيث تتقدّم الشركات العراقية؟
- هل أنتم مستعدون لشراكةٍ تملكون فيها الأقلية، وكيف ستحمون قراركم داخلها؟
يُرتَّب هذا القرار وما يليه عبر المساندة في ريمو، بتنسيقٍ مع محامين مرخّصين.